06سبتمبر2012|1نسىء1728 |العدد 904 |الاصدار الرابع |السنة 21
صوت صارخ
حياة‏ ‏الفضيلة‏ ‏والبر‏ (10)‏
إن‏ ‏لم‏ ‏ترجعوا‏ ‏وتصيروا‏ ‏مثل‏ ‏الأطفال‏ (‏مت‏ 18: 3)‏

15 اغسطس2010

  بقلم  قداسة البابا شنودة الثالث  

كيف يستطيع الإنسان أن يحيا حياة البر والفضيلة. إن الرب وضع أمامنا هذا الشرط المهم في قوله لتلاميذه:
إنها وصية عجيبة وخطيرة كشرط أساسي وهام لدخول ملكوت السموات, بحيث إن لم نسلك في الطفولة الروحية فلن ندخل الملكوت
خطورة الوصية
هناك أمور جوهرية تمنع الملكوت:
مثال ذلك قول الرب: إن كان أحد لا يولد من الماء والروح, لا يقدر أن يدخل ملكوت الله (يو 3: 5). وقوله أيضا: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه, فليس لكم حياة فيكم (يو 6: 53). وقوله كذلك: إن لم تؤمنوا إني أنا هو, تموتون في خطاياكم (يو 8: 24). وكذلك: إن لم تتوبوا, فجميعكم كذلك تهلكون (لو 13: 3, 5). وهكذا جعل الرب هذه الأمور كلها لازمة للخلاص: المعمودية, والتناول, والإيمان, والتوبة.
ونراه يضع شرط الرجوع إلي شبه الأطفال لازما لدخول الملكوت.
بنفس عبارة: إن لم ... التي قالها عن المعمودية والتناول والإيمان والتوبة. نراه يقول لتلاميذه القديسين:  الحق أقول لك, إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال, فلن تدخلوا ملكوت السموات (مت 18: 3).
وهذا يدل علي خطورة هذه الوصية, ويجعلنا نتساءل:
ما هي الصفات التي يتصف بها الطفل, حتي نحاول أن نتشبه بها ونصير مثله؟
نحن نظن أننا نعلم الأطفال, ونقف أمامهم كقدوة. وهوذا الرب يعكس الأمر, ويضع الأطفال أمامنا كقدوة, حتي نتشبه بهم, وإلا.. فإنه يقدم لنا تحذيرا خطيرا, وهو عدم دخول الملكوت.
طبعا لا نتشبه بالطفل في العقل, وإنما في القلب والروح والنفسية. والمقصود طبعا أن نشتبه بالطفل السوي, وليس الذي ولد بميول أو طباع منحرفة, سواء بالوراثة أو لأسباب أخري.
صفات الأطفال
* أول صفة للأطفال هي البراءة والبساطة.
وهكذا كان أبونا آدم قبل أن يعرف وهكذا كانت أمنا حواء. إذن كان الرب يقول لنا: إن لم ترجعوا إلي البراءة والبساطة, فلن تدخلوا الملكوت..
الطفل في بدء حياته, لا يشك في شئ. يقبل الأمور في براءة وثقة, إلي أن يغيره المجتمع, ويدخل الشك إلي قلبه, وفي طباعه, فتتعكر نقاوته. وقد يزيد الشك عنده فيصبح مرضا, سواء وجد سبب للشك أم لم يوجد!
* الطفل يتصف أيضا بحب المعرفة والتعليم.
فهو يسأل ويريد أن يعرف. ولا يخجل من السؤال والإقرار بعدم المعرفة, وهو يقبل التعليم, وعن طريقه ينمو في المعرفة يوما بعد يوم.
أما الكبار فقد يمنعهم عن التعليم: إما كبرياء لا تريد أن تظهر أنها لا تعرف, أو يمنعهم الخجل, أو الاكتفاء بما هم فيه من معرفة. وكلما كبر الإنسان في سنه, قد يخجل من التعليم, لئلا يخطئ أثناء تدربه فيخجل من خطئه. لذلك فالطفل أقدر علي تعلم اللغة من كبير السن, لأنه لا يخجل أن ينطق ولو نطقا خاطئا يصححه له معلمه, بينما الكبير لا يفعل.
حاول إذن أن تنمو في المعرفة, وأقصد المعرفة النافعة لك.
ومادمت قد كبرت في السن, أمامك ألوان أساسية في المعرفة غير ما يسعي إليه الطفل, عليك أن تعرف نفسك, وأن تعرف الله, وتعرف الحق, وتعرف الطريق السليم الذي يوصلك. وليكن لك التواضع الذي به تسأل وتطلب المعرفة, دون أن تخجل. ودون أن ترتئي فوق ما ينبغي, ظانا أنك تعرف.. ودون أن تكون حكيما في عين نفسك..
* من صفات الطفل أنه دائم النمو.
قيل عن يوحنا المعمدان في طفولته: أما الصبي فكان ينمو ويتقوي بالروح. وكان في البراري إلي يوم ظهوره لإسرائيل (لو 1: 80). وقيل أيضا عن الطفل يسوع: وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس (لو 2: 52). من جهة القامة, يصل الكبار إلي حد معين لا تنمو فيه قامتهم, ولكن هناك مجالا آخر ينبغي أن يمارسوا فيه صفة النمو. وهو النمو في الروح, في العقل, في المعرفة, في الحكمة, في كل فضيلة وعمل صالح.
* تعجبني في الطفل أيضا صفة البشاشة.
هو باستمرار يحب البشاشة, يحب المرح, يحب أن يضحك, ويحب من يضحكه. إنه لا يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه كما يفعل الكبار. ولا يحمل هما, ولا يفكر في مشاكل الغد ومشاكل المستقبل, إنما يلقي كل ذلك -إن صادفه- علي أبيه وأمه. ويملك السلام علي قلبه, حتي في أشد الأوقات خطورة. تجد البيت كله منزعجا, متوقعا شرا, ماعدا الطفل.
أريد لك يا أخي هذا السلام وهذا الفرح, فهما من ثمار الروح (غل 5: 22).
* من الصفات الجميلة في الطفل أنه لا يحمل حقدا.
قد يوجد ما يبغضه أو يضايقه أو يحزنه.. ولكن هذا كله يأخذ وقته وينتهي في وقته, دون أن يخزنه في قلبه أو في مشاعره. وما أسرع أن يتصافي ويلعب مع طفل آخر كان يتعارك معه منذ لحظات. الذين يخزنون الإساءة هم الكبار, في ذاكرتهم التي كثيرا ما تنسي الخير, ولكن لا تنسي الإساءة. ويتحول الغضب عندهم إلي حقد وإلي عداوة, وربما إلي رغبة في الانتقام. وهؤلاء يقول لهم الرب: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال...
إن الطفل سريع التصالح. وقد يضربه أبوه أو أمه, وبسرعة يأتي فيرتمي في حضنهما. وفي العطف والحنان الذي يأخذه, ينسي كل ما حدث.
* ليتنا نكون أيضا مثل الطفل في حبه الكبير.
الحب الذي يتسع لكثيرين. والذي فيه يتصادق بسرعة مع كثيرين, ويزيد عدد معارفه وأحبائه. ويجعل الآخرين يحبونه, دون أن يعرف تحزبا. وقد يتشاجر الأب والأم معا, بينما الطفل يحب الاثنين معا, بل قد يعمل علي مصالحتها..
* الطفل عنده الإيمان والثقة.
بعض الطوائف لا تعمد الأطفال, وتنتظر إلي أن يؤمنوا أولا. ولكنني أقول ليتنا جميعا نكون مثل الأطفال في عمق إيمانهم. الأطفال الذين يقبلون كل حقائق الإيمان دون أدني شك أو سؤال.
إن الطفل يولد مؤمنا, تقول له نصلي, يصلي. ترفع يدك إلي السماء وتقول يارب, يفعل مثلك. يؤمن أن الله قادر علي كل شئ, ولا يشك في ذلك. بل يؤمن أن أباه الجسدي يقدر أن يعطيه كل شئ, وأن يحميه من كل خطر ولا شك.. إيمان الطفل إيمان عجيب, لا يفسده إلا الكبار, حينما يدخلون إلي ذهنه أمورا تؤذيه.
* الطفل أيضا يتميز بالصدق, ولا يجامل علي حساب الحق.
وهو لا يعرف الرياء. فإن كان يحبك يقول لك إنه يحبك. ويكون ذلك من قلبه, وهو صادق فيما يقول. وإن كان يخافك أو قد آذيته قبلا, لا يمكن أن يجاملك كذبا ويقول لك إنه يحبك, بل يقول لك رأيه فيك بصراحة. إنه لا يعرف النفاق. هو صادق في التعبير عن مشاعره.
محبة الأطفال محبة حارة أكثر من محبة الكبار.
وهي محبة بريئة وطاهرة. إنه يرتمي في حضن من يحبه بكل عواطفه.
وقد يبكي من كل قلبه, لأن أباه قد غاب عنه, أو أمه قد غابت عنه. ولا يستريح إلا إذا وجد من يحبه. ليتنا نحب مثلما الأطفال يحبون.
* والطفل يشتهي المثل العليا.
إنه يستطيع أن يميز بفطرته. لذلك فهو يحب الخير بطبيعته. وله ضمير لم يفسده المجتمع يميز به بين من يحبه ومن لا يحبه, وبين الإنسان الخير الذي يتصف بالروح الطيبة وغير ذلك. وهو يستطيع أن يحكم عليك من مجرد النظر إلي ملامحك. يعرف داخلك من نظرة عينيك, ومن تقاطيع وجهك, ومن نبرة صوتك. وهو حساس جدا, وحسه سليم. إنه لا يقبل أن يري أباه غاضبا أو ثائرا, مقطب الملامح أو الجبين, أو محتد الصوت. كل هذا ضد مثله العليا.
* ومن الأشياء الجميلة في الطفل أن فضائله طبيعية تلقائية.
بلا تصنع, بلا تمثيل, بلا جهاد في الوصول إلي الفضائل, فهي فيه بالفطرة.. لا يحاول أن يظهر في زي فضيلة ليست فيه. لا يجاهد ليحصل علي البساطة, فهو بسيط بطبيعته, وهكذا مع باقي الفضائل.
* الطفل ليس عنده غرور.
حتي عندما تمتدحه. يرضي لك يشعر بأنه تصرف حسنا, دون أن يتكبر. الغرور رذيلة تتعب الكبار..
المسيح والأطفال
كان السيد المسيح يحب الأطفال. وكان يحتضنهم ويباركهم (مر 10: 16). وكان يحذر الناس من أن يسببوا لهم عثرة. وهكذا قال: من أعثر أحد هؤلاء الصغار, فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحي ويغرق في لجة البحر (مت 18: 6). وقال في محبته للأطفال: انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار.. (مت 18: 10). بل جعلهم مثالا يتشبه الكبار بهم.
والتاريخ وضع أمامنا أمثلة لأطفال قديسين.
مثل الطفل أبانوب الذي تبني علي اسمه كنائس في مصر والمهجر. ومثل الطفل قرياقوص ابن القديسة يوليطة. ومثل صموئيل الطفل الذي كلمه الله وأرسله ليحذر عالي الكاهن العظيم ومثل القديس شنودة رئيس المتوحدين في طفولته.. والأمثلة كثيرة. ليتنا نرجع ونصير مثل الأطفال في فضائلهم.
إن طبيعة الطفل الفاضلة هي أمثولة طيبة قبل أن تغرس فيه البيئة والتربية صفات أخري لم تكن من طبيعته الأصلية.
وقبل أن يتعلم ممن حواليه أمورا يريدونها له لكي يصبح مثلهم في طباعهم, وقد لا تكون طباعهم مقدسة ولا صالحة ولا فاضلة..!
إنما السيد المسيح حينما أوصانا أن نرجع ونصير مثل الأطفال, إنما قصد أن نرجع عما اكتسبناه من صفات غرستها فينا البيئة والتربية والتعليم, ونصير في الطبيعة التي أرادها الله لنا, في البراءة التي كانت لآدم وحواء قبل الخطية, وقبل أن يأخذا من مصدر خارجي هو الحية..


قييم الموضوع: 


أضف تعليقك
الأسم: * البيانات مطلوية
البريد الألكترونى (إختيارى):
عنوان التعليق: * يرجى ملىء البيانات * البيانات مطلوية
نص التعليق: * البيانات مطلوية