15مارس2012|6برمهات1728 |العدد 729 |الاصدار الرابع |السنة 18
صوت صارخ
المسيح‏ ‏مثالا‏ ‏لنا‏ ‏في‏ ‏مواجهة‏ ‏التجارب

05 مارس2012

  بقلم  المتنيح الأنبا غريغوريوس  

في أحد التجربة السيد المسيح أخفي لاهوته عن الشيطان بحكمته, فكون أن السيد المسيح أدخل علي نفسه مظاهر الجوع وهي الانهيار والتعب, هذا الذي جعل إبليس يجرؤ ويقترب منه ويقول له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا في أحد التجربة السيد المسيح أخفي لاهوته عن الشيطان بحكمته, فكون أن السيد المسيح أدخل علي نفسه مظاهر الجوع وهي الانهيار والتعب, هذا الذي جعل إبليس يجرؤ ويقترب منه ويقول له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا.

وهذه سياسة الله هي التخفية, استعينوا علي قضاء حاجتكم بالكتمان, وهذا ليس مكرا, بل هو المكر المقدس الذي لا يمنع البساطة, يجب أن أكون بسيطا كالحمام لكن أيضا أكون حكيما كالحية, وهنا  الله  جعل الحيةأستاذا أتعلم منه, مثلما قال السيد المسيح كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام كلمة البساط تعني أن الشئ لا يكون فيه التواء, فأنا أكون بسيطا بمعني لا أكون ملتويا.
الطفل الصغير عندما يولد, الله يعين له ملاكا, نسميه الملاك الحارس, الذي قال عنه السيد المسيح: إن ملائكة الأطفال كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات. فللأطفال ملائكة للحراسة.
ورئيس الشياطين أيضا لأنه رئيس مملكة الشر, يعين من قبله شيطانا صغيرا لكل طفل, حتي يتابعه وحتي يضايقه وحتي يفشله, وحتي يسقطه في الخطيئة من الصغر. لو كان الطفل يسير في -طريق صالح وتربي تربية سليمة, ورأي رئيس الشياطين أن هذا الطفل لم يقع في الخطيئة أو أنه يسير في طريق الله, يقيل الشيطان الصغير لأنه لم ينجح في مهمته, ويعين بدلا منه شيطانا أكبر لعله يقوي علي هذا الشاب.

وهكذا كلما تقدم الإنسان في الفضيلة, كلما كبر شيطانه. لذلك أن الذي جاء ليحارب سيدنا له المجد أو يدخل في التحدي هو إبليس نفسه وهو رئيس الشياطين, الذي قال عنه المسيح إنه رئيس هذا العالم.
التجربة الأولي كانت قائمة علي فكرة الطعام, وهكذا كلنا نتعرض له. قد يحدث أن إنسانامن أجل لقمة العيش يضطر أن يبيع دينه أو يبيع مبادئه أو يدوس علي هذه المبادئ, هذه هي الحرب الأولي التي أراد المسيح أن يقدم ذاته نموذجا لنا لكي نعرف أن نواجه عندما الإنسان تقسو عليه الحياة, ويكون جائعا هو وأولاده, هل أنا في هذا الموقف أبيع ديني وأبيعي مسيحي في سبيل لقمة العيش؟ في هذه التجربة رد المسيح عليها لكي يعلمنا أن نعرف أن نرد علي هذه الحرب, قال له: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله.
يقول الشيطان للسيد المسيح إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزا إن كنت ابن الله؟! هذه هي مهمة الشيطان معنا هي التشكيك, الشك في الله, في قدرة الله, الشك في مواعيد الله, الشك في الإنجيل, عندما يجد الإنسان أشياء لا يقدر أن يفهمها  يقول له أين الله؟, في الضيقات يشككه في المواعيد الإلهية, وفي الوجود الإلهي, وخصوصا عندما يري الإنسان الشر منتشرا ويجد هؤلاء الأشرار يبدو أنهم ناجحون وموفقون فيشك الإنسان في كل القيم.

ولذلك نلاحظ فعلا أن كثيرا من الناس يتوافر لهم الطعام والشراب, ولكن مع ذلك يكون عندهم نوع من القلق, ونوع من الحزن الداخلي, لأن أرواحهم لم تجد الطعام الذي يريحها, وهذا ما قاله القديس أوغسطينوس إلا أن أرواحنا تظل حائرة. إلي أن تجد الراحة فيك أي أن الراحة الحقيقية لا يمكن أن تكون في طعام أو شراب, وقد يتوافر للإنسان منا كل وسائل الطعام, مثل الأغنياء عندهم طعام وكل شئ فائض عنهم, ومع ذلك إذا لم تكن أرواحهم متمتعة بالسلام, وإذا لم تكن أرواحهم تطعم من الطعام السماوي يظلون مع ذلك جائعين, وشاعرين بالقلق وعدم الراحة. كثير من أغنياء ينتحرون لماذا وعندهم الطعام متوافر؟ لأن نفسه جائعة إلي طعام آخر, ولا تجد هذا الطعام في حياتها علي الأرض في الأكل والشرب, لكن راحة الإنسان وراحة الروح دائما في السلام الروحاني الذي ينزل علي قلب الإنسان من السماء.

فهنا سيدنا يعطينا المثل في التجربة التي يتعرض لها الإنسان, عندما يحاربه الشيطان فيما يتصل بالطعام والشراب, قال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله, عندما نتأمل هذه الجملة تعني أنه أنت يا إنسان روح وجسد. حقا إن الجسد يحتاج للطعام, كذلك روحك أيضا لأنك تعيش بالروح والجسد, فكيف تكتفي يا إنسان بطعام الجسد؟ روحك أيضا تحتاج تغذية ومن هنا فكرة الصوم, في الصوم الجسد لا يأكل لكن الروح تأخذ الطعام الروحاني. تأملات وصلوات وعبادات, ففكرة الصوم الجميلة تثبت نظرنا نحو مطالب الروح الإنسانية, فليس هناك شبع للروح الإنسانية إلا في الله كما قال القديس أوغسطينوس: يا إلهي إن النفس الإنسانية تظل قلقة ولن تجد الراحة إلا فيك.

عندما جاء إبليس إلي السيد المسيح ليجربه, قبل السيد المسيح التجربة ولم يرفضها, إذن التجربة مقصودة, لذلك لا يصح نحن أن نرفض التجربة, حقا نقول في الصلاة الربانية لا تدخلنا في تجرب لكن السيد المسيح كقائد لمسيرتنا أراد أن يكون النموذج والمثل لكي نتعلم منه, كما يقول الرسول صار لنا مثالا لكي نقتدي بخطواته قبل التجربة ولم يرفضها.
التجربة الثانية: من نوع آخر وسيدنا يقدم ذاته نموذجا لأننا كلنا نتعرض لهذه التجربة الثانية, قال له: إن كنت ابن الله ارمي نفسك من فوق إلي أسفل لأنه مكتوب يوصي ملائكته بك ليحفظوك في سائر طرقك, وعلي أيديهم يحملونك لئلا تعثر بحجر رجلك, وهو المزمور التسعين وكلنا نصلي به في صلاة الساعة السادسة, أتاه بآية من الكتاب المقدس, ارمي نفسك وهذه هي الطريقة التي يحاربنا بها الشيطان, خاصة عندما يكون الإنسان متدينا, يأتي له بتجربة مغلفة ومؤيدة بأسانيد من الكتاب المقدس, والسيد المسيح يقول له: مكتوب لا تجرب الرب إلهك. وكثيرا ما نتعرض لهذه التجربة, فنتخطي قوانين الطبيعة, ونقول ماذا يحدث عندما أدخن, أو أشرب الخمر, أو أمشي في طريق الفساد؟ الله أعطاني مواعيد, أنه يوصي ملائكته بي, ويستند الإنسان علي مواعيد الله, وإن لم يعطه الله ما يريد يغضب ويجدف علي الله, أو يسبب الإنسان لنفسه المرض ثم يصلي ويقول يارب اشفني, وإن تأخر الله في الطلب يغضب ويقول لماذا؟ ولا يعلم أن الله لم يصبه بالمرض, إنما لأن الناس غلب عليهم تفكير القدرية, فيقول: الله ابتلاني بالمرض, لا... الله لا يأتي بالمرض أبدا, أنا الذي أسبب المرض لنفسي, أو الآخرون يصيبوني بالمرض, وعندما يتخطي الإنسان قانون الطبيعة, فمثلا جسمك يكون دافئا وتخرج في الهواء فإذا أصبت بالتهاب رئوي أو ربو,أو علي الأقل زكام,لاتقل إن الله أصابك بالزكام ,أنت تخطيت قانون الطبيعة, وتقول: الله يسترها, الله يريد أن يعلمك درسا أن لا تدوس بقدميك القوانين الطبيعية ولابد أن تتوقع ما حدث, فإذا مرضت تقول أنا مستحق, ولا تقول الله ابتلاني, وتقول لماذا أنا صليت والله لم يستجب لي؟ هناك كثير من الأسباب التي عندما يتجاهلها الإنسان يحصد نتيجة هذا التجاهل, لأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا.

كل شئ له سبب فإذا أنت مرضت ابحث عن السبب, إما أنت أو أحد غيرك أصابك بالمرض, أحيانا توجد أمراض وراثية تأتي من الأب والأم, وأحيانا خطأ يقع فيه الطبيب مثلا, أو أحد يؤذيك أو يضربك, إنما لا تتصور أبدا أن المرض يأتي من الله.
يقول ارمي نفسك من فوق ماذا يحدث لك سيوصي ملائكته بك, لا... يوصي ملائكته بك عندما يكون غيرك رماك, هنا الله يتدخل لكن عندما ترمي نفسك لابد أن تقع. الثلاثة فيتة الذين في أتون النار لماذا نجوا؟ لأن غيرهم هم الذين روهم, لكن لو كانوا هم رموا أنفسهم في أتون النار, حتي لو كانوا من أكبر القديسين كان لابد أن يحترقوا, هذا هو القانون الذي في الكتاب المقدس: من يضع نارا في حضنه ولا تحترق ثيابه, من يمشي علي الجمر ولا تكتوي رجلاه, فهنا سيدنا يصحح تفكيرنا عندما نحاول أن نعتمد علي آيات الكتاب المقدس لكي نتنصل من المسئولية, ونهرب من الشعور بالالتزام والخضوع للقوانين الطبيعية, وهو يقول لك: لا تجرب الرب إلهك.

التجربة الثالثة: أخذه إلي جبل شاهق وأراه كل ممالك المسكونة, وقال له أعطيك هذه كلها إن خررت وسجدت لي!! الشيطان بالغرور والكبرياء يقول للمسيح أعطيك... لماذا؟ لأنه هو رئيس هذا العالم, لأنه طرد من السماء وأصبح هو رئيس هذا العالم, والمسيح يقول عنه علي الأقل ثلاث مرات, رئيس هذا العالم, له حق الملكية, التعبير الجميل جدا يقول أراه كل ممالك المسكونة كيف يريه كل هذه الممالك في لحظة واحدة من الزمان, هذه قدرة روحانية خارجة عن مفهومنا نحن الذين في عالم الجسد, كما يحدث أنك في حلم تري أشياء كثيرة لا تراها ولا تفهمها وأنت في عالم الجسد. هنا أجابه السيد المسيح: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد.

وهذا ما جاء فيد سفر التثنية أصحاح 6 عدد 4 للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد فتركه الشيطان إلي حين, هرب الشيطان.
هذه التجربة معناها تعظم المعيشة, ماذا تعني تعظم المعيشة, أي أن الإنسان يميل أن يكون عنده سلطان, أو يأخذ المراكز القيادية, رغبة الإنسان في الرئاسة, أو يحكم الآخرين ويتحكم فيهم, وهذه رغبة موجودة في الإنسان دائما باستمرار, لا يقنع بدرجته بل يطلب الدرجة الأعلي لكي يصير بها سيدا هذا ما يسميه الكتاب المقدس تعظم المعيشة, كل ما في العالم شهوة الجسد, شهوة العيون, تعظم المعيشة, أحيانا واحد يترقي نظرا لكفاءته ولأنه أنسب من غيره لكي يقود آخرين, لكن هناك أشخاصا يسعون لهذا, وإن لم يصلوا يحزنوا ويكونوا مهمومين.
فهنا سيدنا يقول له: مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. الإنسان أحيانا في سبيل أنه يصل إلي المراكز القيادية يخضع نفسه للشيطان بأساليب مختلفة, في بعض الأحيان إنسان يذهب للسحرة لكي يصل إلي ما يريد, وفي بعض الأحيان يذل نفسه لصاحب السلطان لكي يرفعه, وفي هذا الإذلال لنفسه قد يتنكر لمبادئه وقد يغير عقيدته, لكي يتملق الرئيس الكبير, هذا هو الخضوع إن خررت وسجدت لي هذا الإنسان الذي يتنكر لمبادئه والذي يخضع لغير الله, وينافق الرؤساء علي حساب مبادئه, بالضبط هو أخضع نفسه للشيطان. أصبح عبدا لإله آخر غير الله, لأنه اتخذ من الإنسان رئيسا أعلي أو إلها لكي يرضيه بأي سبب, ففي سبيل إرضائه يتنكر لمبادئه, ويدوس علي عقيدته.

نلاحظ في تصرف السيد المسيح وهو أنه مع قدرته علي أن يصنع المعجزات, لم يصنع معجزة واحدة لنفسه, أو لكي ينقد نفسه أي لم يستغل المسيح قدرته اللاهوتيه لكي يعمل شيئا يعود عليه شخصيا. فنراه رفض أن يحول الحجارة إلي خبز مع قدرته علي هذا, ليس فقط من أجل التخفية, ولكن أيضا لكي يرسم أمامنا الطريق, أن المواهب والقدرات التي عند الإنسان, عندما يكون إنسان الله حقا, وعندما يكون سائرا في طريق السماء, الإنسان الأكمل والأمثل هو الذي لا يحاول أن يستغل قدراته, ويستغل إمكاناته وإمكانياته من أجل نفسه, ومن أجل الدفاع عن نفسه, أو من أجل تحصين نفسه, ولكن الإنسان الأكمل والأمثل والأنسب لطريق السماء, هو الإنسان الذي يستغل قدراته وإمكاناته وإمكانياته لخدمة الآخرين. هذه نقطة مهمة جدا في الفرق بين إنسان عادي, وإنسان آخر له قامة روحية مرتفعة.
فإذن هذه التجربة التي تعرض لها المسيح كنموذج أمامنا, هي تجري أمامنا في تجاربنا في الزمن الحاضر, ومن الحكمة أننا في أيام الصوم الكبير نصحح أفكارنا ونراجع أنفسنا, ونمارس التوبة اليومية في هذا الوقت الذي فيه نتعبد لإلهنا في هذا الصوم المبارك.


قييم الموضوع: 

التعليقات

1

راءع
 شكرا للموقع وشكرا ونياحا لروح معلمنا الراءع الانبا اغريغوريوس لم اقراء تفسيرا للتجربة علي الجبل افضل من هدا
أبلغ عن تعليق غير لائق

saidamin52

10 مارس2012 04:37مساءاً (بتوقيت القاهرة )

2

لا تستعجب يا اخي !!
 هذا القديس عالم كبير لاهوتي وكان يحتوي علي اكثر من 7 لغات وكان يحاضر في المانيا عن اللاهوت حتي انه كتب عنه في جريدة الاهرام قبطي مسيحي يعلم الالمان حكمة الايمان والافضل من ذلك لو جلست امامه تستمتع بمحاضرته اللاهوتيه الجميله وهو كاتب عظيم في العلوم اللاهوتيه وله العديد من الكتب ليتك تقرائها وخاصه كتاب صغير بسيط جدا لا يتعدي 1 جنيه اسمه السيده العذراء بقلم المتنيح الانبا غريغوريوس اسقف الدراسات والبحث العلمي ! وياريت كمان تزوره في مزاره بالانبا روبس بالعباسيه راقدا بجوار جسد اخيه المتنيح الشهيدالانبا صمؤيل والقمص ميخائيل .
أبلغ عن تعليق غير لائق

الغراب

10 مارس2012 07:36مساءاً (بتوقيت القاهرة )

3

انت والحياة الروحية
 اجمل موضوع لتوعية الانسان بحروب الشيطان
أبلغ عن تعليق غير لائق

ايمل عيد

07 مايو2012 03:40AM (بتوقيت القاهرة )


أضف تعليقك
الأسم: * البيانات مطلوية
البريد الألكترونى (إختيارى):
عنوان التعليق: * يرجى ملىء البيانات * البيانات مطلوية
نص التعليق: * البيانات مطلوية