11نوفمبر2011|1هاتور1728 |العدد 604 |الاصدار الرابع |السنة 22
آراء حرة
حديث‏ ‏الهوية‏ ‏المصرية‏...‏والمصريين

10 اكتوبر2010

  بقلم  يوسف سيدهم  

بحكمته المعهودة استطاع قداسة البابا شنودة إطفاء نار الفتنة التي اشتعلت الشهر الماضي علي أثر ما تداولته وسائل الإعلام حول معارك كلامية وتصريحات متبادلة بين الدكتور محمد سليم العوا ونيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية...حيث أكد قداسة البابا أن المصريين -مسلمين ومسيحيين- هم أبناء وطن واحد ولا يوجد أحد, منهم غريب عن الأخر, وأنه يأسف لأي تصريحات أدت إلي جرح مشاعر المسلمين, ومستعد لترضيتهم, لأن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين طيبة وقوية.
الأكثر من ذلك أن قداسة البابا استنكر مقولة أن المسلمين في مصر ضيوف علي المسيحيين, وعلق قائلا:..إنني مستعد لأن أقول إننا نحن المسيحيين ضيوف علي إخوتنا المسلمين, فهم الأغلبية....
جاءت تلك التصريحات كالبلسم لتهدئة النفوس وتطيب الخواطر, وذلك مسلك محمود جدا ونموذج يحتذي أن يسارع كل منا لاحتواء أي إساءة تلحق بأخيه في الوطن,يربت علي كتفه ويعتذر عن جرح مشاعره تعبيرا عن العلاقة الأزلية الحميمة التي تجمع المصريين, والوطن الواحد الذي ينتمون إليه ويعيشون في ظله ويفتدونه بحياتهم, لا فرق بينهم في ذلك, ولا ميزة تقدم أحدهم علي الآخر إلا بمقدار حب هذا الوطن والإخلاص له.
توقفت أمام هذا المشهد الذي أكبرته جدا, لكني شعرت أنني مدين فوق ذلك بكلمة حق يتحتم تسجيلها, وهي كلمة التاريخ, فإن كان هناك حديث يتردد بين الحين والآخر حول هوية المصريين ويتولي تقسيم درجة نقاء تلك الهوية تبعا لمعتقدهم الديني, علينا أن نجلي الحقيقة بالاحتكام إلي التاريخ حتي نزيل أي سوء فهم, وحتي نرسخ المفاهيم الأصيلة للهوية المصرية...ولعل الدعوة واجبة في هذا الصدد لمراجعة كتب التاريخة التي يتعلم منها أطفالنا في المدارس, حتي إذا ما اقتضت الضرورة إضافة ما يرسخ الهوية المصرية للمصريين جميعا ويمنع تمزيق الوطن بينهم, نسارع إلي ذلك لإنقاذ الأجيال القادمة من الوقوع في خطيئة سوء الفهم في هذا الخصوص.
الحديث عن هوية مصرية خالصة للمصريين المسيحيين, وهوية مصرية منقوصة, أو هوية عربية للمصريين المسلمين هو حديث مغلوط لا أساس له من الصحة يدحضهمعجم الحضارة المصرية القديمة الذي كتبه ستة من مشاهير علماء الآثار الأجانب, والذي فصل هذا الأمر بشكل قاطع متناولا درجة الاختلاط بين الدم المصري والدم العربي إبان وعلي أثر الفتح العربي لمصر في القرن السادس الميلادي...حيث وصف القدر المحدود جدا من الزيجات بين العرب الفاتحين وبين المصريات بأنه لم يؤثر أبدا علي نقاء الدم المصري ولم يغير من تركيبة العرق المصري, وأن دخول المصريين في الإسلام تباعا عبر القرون الخمسة التالية بالقدر الذي حول التركيبة السكانية المصرية من أغلبية مسيحية إلي أغلبية مسلمة لا يمكن تفسيره بتغيير الهوية المصرية لتلك الأغلبية وحلول الهوية العربية محلها, بل بقيت دماء المصريين جميعا مصرية خالصة, وظلت هويتهم مصرية متساوية فيما بينهم دون انحياز لأحدهم علي حساب الآخر.
ومن بين علماء المصريات الذين تعمقوا في دراسة الحضارة المصرية والشخصية المصرية الراحل الدكتور محسن لطفي السيد الذي فسر محدودية الزيجات العربية المصرية في باكورة الحكم العربي لمصر بأن الحكام والقادة العسكريين العرب بالرغم من افتتانهم بمصر وأرضها الخضراء وطبيعتها السهلة الجميلة, إلا أنهم كانوا يتعالون علي المصريين المحكومين ولا يختلطون بهم إلا فيما تمليه علاقة الحكام بالمحكومين..وذلك الأمر يؤكد مرة أخري علي أن الهوية المصرية بقيت نقية مصانة دون امتزاج عربي بالهوية العربية, وظل المصريون-مسلمين ومسيحيين-يعيشون معا ويعانون معا من بطش الحكام العرب وزيادة وطأة الضرائب التي يفرضونها عليهم...صحيح أن التاريخ يسجل درجات ملحوظة من التعاطف بين الحكام المسلمين والمصريين المسلمين, في مقابل درجات ملحوظة من النفور بينهم وبين المصريين المسيحيين,لكن هذا حديث آخر ولا شأن له بما نبحث فيه حول احتفاظ المصريين جميعا بنفس درجة الهوية المصرية ونقاء الدم المصري.
أقرأ أيضا في كتابمصر الحضارة-2500 سنة احتلال: أصول المصريين حكاما ومحكومين لمؤلفه الأستاذ علي ياسين وتحت عنوانالمصريون المسلمون والأقباط والعرب الحكام حيث يقول:من الطبيعي أن يشعر الفاتح المنتصر بالزهو علي المهزومين, ولكن هل يستمر هذا الزهو بالرغم من دخول المهزومين لدين الحكام؟وبالتالي فإن التساؤل ينطبق أيضا علي المهزومين, فهل تغييرهم لدينهم يسمح لهم أن يتنصلوا من أصولهم العرقية ويدعون انتماءهم إلي المنتصر؟. وبعد أن أورد المؤلف حالة عائلة الحرس التي تنكرت لأصلها المصري وادعت لنفسها نسبا عربيا, الأمر الذي رفضه وشجبه عرب الفسطاط في ذلك الوقت, استطرد يقول:استمر هجوم العرب علي نسب القبط إلي العروبة, وكان هذا يعني استحالة زواج الرجل المصري -حتي لو أسلم- من امرأة عربية, لكن الرجال العرب أباحوا لأنفسهم الزواج من القبطيات...ولم يكتف العرب بالاحتجاج علي الانتماء للعروبة من مسلمي مصر, بل إنهم احتجوا علي تولية مسلمي مصر من الأقباط الوظائف الفقهية والدينية...وطلبوا أن يظل المسلمون من الأقباط علي نفس الملبس, ويعملون في نفس الوظائف الإنتاجية التي يجيدها المصريون...ويخلص المؤلف بعد هذا العرض إلي أن...هذا يؤكد عدم اندماج العنصر العربي مع العنصر القبطي, وذلك راجع إلي الترفع العربي والعنصرية التي حالت دون الاندماج.
وتبقي كلمة أخيرة واجبة درءا لسوء الفهم...إذا كنا نجتهد في معرض إثبات نقاء وبقاء الهوية والدم المصري للمصريين جميعا-مسلمين ومسيحيين-دون أدني فرق بينهم, فذلك لوضع حد لمحاولات تمزيق الوطن التي تظهر بين الحين والآخر, لكن لا يجب أن يساء فهم ذلك علي أنه تنكر للثقافة العربية, أو انفصال عن المنطقة العربية التي نعيش فيها, وتعد بلادنا جزءا منها...فمصر بأصالتها وحضارتها وتفردها وتاريخها لم ولن تكون معزولة عن واقعها العربي, والشخصية المصرية والثقافة المصرية لا يمكن أن يتنصلا من المكون العربي الذي اكتسبتاه عبر القرون, وأضيف إلي المكونات العديدة والرقائق المتلاحقة المكونة للشخصية والثقافة المصرية...وتبقي في النهاية مصر بهويتها وتاريخها وثقافتها ملكا خالصا غير منقوص لكل أبنائها من المصريين.


قييم الموضوع: 

التعليقات

1

اقباط ومسلمون ....
 نعم نحن ابناء وطن واحد منذ الازل ونعترف باننا جميعا مصريين ولكن انظر سيدي هم من يتمسحون في العرب والعروبة وينكرون مصريتهم حتى انهم يطلقون علينا صفة اقباطا فقط دونهم " وقبطي تعني مصري " ويتنصلون منها كانه عيب او ذم ، نعم نحن مصريون ولكننا نحن من حافظنا ومازلنا وسنزال نحافظ على هويتنا المصرية الى الابد . اما بالنسبة اليهم فهنيئا عليهم العروبة والعرب وسلملي على الجزائر.
أبلغ عن تعليق غير لائق

فادي المصري

11 اكتوبر2010 09:37مساءاً (بتوقيت القاهرة )

2

العرب مصريون وليس المصريون المسلمين عرب
 من المعروف ان سيدنا ابراهيم ابو الانبياء ولد لام مصرية واب عراقي وان ابنه اسماعيل ولد لسيدنا ابراهيم من ام مصرية وعليه علميا جميع نساء العرب وهم ابناء اسماعيل عليه السلام جينيا مصريين ورجالهم يحملون نصف جينات مصرية وعليه فالعرب مصريون .
أبلغ عن تعليق غير لائق

عمر الفاروق

12 اكتوبر2010 07:27AM (بتوقيت القاهرة )


أضف تعليقك
الأسم: * البيانات مطلوية
البريد الألكترونى (إختيارى):
عنوان التعليق: * يرجى ملىء البيانات * البيانات مطلوية
نص التعليق: * البيانات مطلوية